محمد سعيد رمضان البوطي

84

فقه السيرة ( البوطي )

بطبيعة دعوته والغاية البعيدة من رسالته وبأنه لن ينزل عند شيء من مغرياتهم ، ولكن هكذا شاءت الإرادة الإلهية حتى ينطق التاريخ بتكذيب كل من سيأتي من محترفي التشكيك والغزو الفكري مع الزمن . لقد فكر أمثال كريمر وفان فلوتن طويلا . . ثم لم يجدوا من سبيل لأداء مهمة التشكيك والغزو إلا أن يغمضوا أعينهم عن الحقيقة ويزعموا أن دوافع محمد عليه الصلاة والسلام في دعوته إنما كانت الرغبة في السيادة والملك ، وإن صدموا رؤوسهم في هذا الزعم بصخور عانية تقذفهم وتردهم إلى الوراء أشواطا . لقد سخر اللّه من قبلهم عتبة بن ربيعة وأمثاله ، لحمل هذه الدوافع والآمال ووضعها بين يدي محمد عليه الصلاة والسلام لينالها قريبة سائغة وليبصر قريشا كلها وقد دانت له وألقت من يدها ما رفعته من السلاح ووسائل التعذيب في وجهه ووجه أصحابه ، فلماذا لم يلن الرسول لهم ، ولم يتحول إلى هذه الغنيمة التي سيقت إليه ما دام أنها الدافع له من وراء رسالته ودعوته ؟ وهل ينصت طالب الملك والملك والزعامة لمن سعى يعرضهما عليه في مفاوضة طويلة وتخويف ورجاء وتهديد ، ليقول لهم أخيرا : « ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا . . فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ ، أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » ؟ ! . ثم إن معيشته الحياتية كانت مطابقة لكلامه هذا ، فلم يعرض عن الزعامة والملك بلسانه ، ليصل إليهما خلسة بسعيه وعمله ، بل كان صلى اللّه عليه وسلم بسيطا في مأكله ومشربه ، لا يعلو عما عليه حالة الفقراء والمساكين ، قالت عائشة فيما يرويه البخاري : « لقد توفي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ » . ويقول أنس رضي اللّه عنه فيما يرويه البخاري أيضا : « لم يأكل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على خوان حتى مات وما أكل خبزا مرققا حتى مات » . وكان بسيطا للغاية في ملبسه وأثاث بيته ، يؤثر في جنبه الحصير وما عرف أنه نام قط على شيء وثير ، حتى إن نساءه جئن إليه يوما وفيهن السيدة عائشة رضي اللّه عنها يشتكين إليه الفاقة ويطالبنه بمزيد من النفقة لزينتهن ولباسهن حتى لا تكون إحداهن أقل شأنا من مثيلاتها من نساء الصحابة ، فأطرق مغضبا ولم يجب ثم نزل قول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ